فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو السعود:

{وهذا} أي الذي تُليت عليكم أوامرُه ونواهيه أي القرآن {كِتَابٌ} عظيمُ الشأنِ لا يقادَر قدْرُه وقوله تعالى: {أنزلناه مُبَارَكٌ} أي كثيرُ المنافع دينًا ودنيا، صفتان لكتابٌ، وتقديمُ وصفِ الإنزال مع كونه غيرَ صريحٍ لأن الكلام مع منكريه، أو خبران آخران لاسم الإشارة أي أنزلناه مشتملًا على فنون الفوائدِ الدينية والدنيوية التي فُصِّلت عليكم طائفةٌ منها، والفاء في قوله تعالى: {فاتبعوه} لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن عِظمَ شأنِ الكتابِ في نفسه وكونَه منزلًا من جنابه عز وجل مستتبعًا للمنافع الدينية والدنيوية موجبٌ لاتباعه أيَّ إيجاب {واتقوا} مخالفتَه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بواسطة اتباعِه والعمل بموجبه. اهـ.

.قال الألوسي:

{وهذا} الذي تليت عليكم أوامره ونواهيه أي القرآن {كِتَابٌ} عظيم الشأن لا يقادر قدره {أنزلناه} بواسطة الروح الأمين مشتملًا على فوائد الفنون الدينية والدنيوية التي فصلت عليكم طائفة منها، والجملة صفة {كِتَابٌ} وقوله سبحانه: {مُّبَارَكٌ} أي كثير الخير دينًا ودنيا صفة أخرى، وإنما قدمت الأولى عليها مع أنها غير صريحة لأن الكلام مع منكري الإنزال، وجوز أن يكون هذا وما قبله خبرين عن اسم الإشارة أيضًا؛ والفاء في قوله تعالى: {فاتبعوه} لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن عظم شأن الكتاب في نفسه وصفته موجب لاتباعه أي فاعملوا بما فيه أو امتثلوا أوامره {واتقوا} مخالفته أو نواهيه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لترحموا جزاء ذلك، وقيل: المراد اتقوا على رجاء الرحمة أو اتقوا ليكون الغرض بالتقوى رحمة الله تعالى. اهـ.

.قال ابن عاشور:

جملة: {وهذا كتاب أنزلته مبارك} عطف على جملة: {ثمّ آتينا موسى الكتاب} [الأنعام: 154].
والمعنى: آتينا موسى الكتاب وأنزلنا هذا الكتاب كما تقدّم عند قوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب} [الأنعام: 154] إلخ.
وافتتاح الجملة باسم الإشارة، وبناءُ الفعل عليه، وجعل الكتاب الذي حقّه أن يكون مفعولَ: {أنزلناه} مبتدأ، كلّ ذلك للاهتمام بالكتاب والتّنويه به، وقد تقدّم نظيره: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه} في هذه السّورة (92).
وتفريع الأمر باتباعه على كونه منزلًا من الله، وكونه مباركًا، ظاهر: لأنّ ما كان كذلك لا يتردّدُ أحد في اتّباعه.
والاتِّباع أطلق على العمل بما فيه على سبيل المجاز.
وقد مضى الكلام فيه عند قوله تعالى: {إن أتبع إلا ما يوحى إليّ} [الأنعام: 50]، وقوله: {اتبع ما أوحي إليك من ربك} في هذه السّورة (106).
والخطاب في قوله: {فاتبعوه} للمشركين، بقرينة قوله: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا}.
وجملة: {أنزلناه} في محلّ الصّفة ل {كتاب}، و{مبارك} صفة ثانية، وهما المقصد من الإخبار، لأنّ كونه كتابًا لا مِرْيَة فيه، وإنَّما امْتروا في كونه منزّلًا من عند الله، وفي كونه مباركًا.
وحسن عطف: {مبارك} على: {أنزلناه} لأنّ اسم المفعول لاشتقاقه هو في قوّة الفعل.
ومعنى: {اتَّقُوا} كونوا متَّصفين بالتَّقوى وهي الأخذ بدين الحقّ والعملُ به.
وفي قوله: {لعلكم ترحمون} وعد على اتّباعه وتعريض بالوعيد بعذاب الدّنيا والآخرة إن لم يتَّبعوه. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155)}
{وهذا} إشارة وعادة ما تأتي وترد على متقدم، ولكن إذا لم يكن لاسم الإشارة متقدم أو حاضرة يشار إليه فهذا دليل على أنك إن أشرت لا ينصرف إلا إليه لأنه متعين ينصرف إليه الذهن بدون تفكير لوضوحه. وكلمة {كتاب} تدل على أنه بلغ من نفاسته أنه يجب أن يكتب ويسجل؛ لأن الإنسان لا يسجل ولا يكتب إلا الشيء النافع، إنما اللغو لا يسأل عنه، وقال ربنا عن القرآن: إنه {كتاب}، ومرة قال فيه: {قرآن} فهو قرآن يتلى من الصدور، وكتاب يحفظ في السطور. ولذلك حينما جاءوا ليجمعوه اتوا بالمسطور ليطابقوه على ما في الصدور. {وهذا كتاب أنزلناه مبارك...} [الأنعام: 155]
و{أنزلناه} أي أمرنا بإنزاله، ونزل به الروح الأمين، وكلمة مبارك مأخوذة من البركة: أي أنه يعطي من الخير والثمرة فوق ما يظن فيه، وقد تقول: فلان راتبه مائتا جنيه، ويربي أولاده جيدا ويشعر بالرضا، وتجد من يقول لك: هذه هي البركة. كأن الراتب لا يؤدي هذه المسئوليات أبدا. وكلمة البركة تدل على أن يد الله ممدودة في الأسباب، ونعلم أن الناس ينظرون دائما إلى رزق الإيجاب، ولا ينظرون إلى الرزق الأوسع من الإيجاب وهو رزق السلب، فرزق الإيجاب يأتي لك بمائتي جنيه، ورزق السلب يسلب عنك مصارف لا تعرف قدرها. فنجد من يبلغ مرتبه ألفا من الجنيهات، لكن بعض والده يمرض، ويحتاج ولد آخر إلى دروس خصوصية فتتبدد الألف جنيه ويحتاج إلى ما فوقها.
إذن فحين يسلب الحق المصارف وإنفاق المال في المعصية أو المرض فهذه هي بركة الرزق، ونجد الرجل الذي يأتي ماله من حلال ويعرق فيه يوفقه الله إلى شراء كل شيء يحتاج إليه، ويخلع الله على المال القليل صفة القبول، ونجد آخر يأتي ماله حرام فيخلع الله على ماله صفة الغضب فينفقه في المصائب والبلايا ويحتاج إلى ما هو أكثر منه.
وأنت حين تقارن القرآن بالتوراة في الحجم تجده أصغر منها ولكن لو رأيت البركة التي فيه فستجدها بركة لا تنتهي؛ فكل يوم يعطي القرآن عطاءه الجديد ولا تنقضي عجائبه، ويقرأه واحد فيفهم منه معنى، ويقرأه آخر فيفهم منه معنى جديدا. وهذا دليل على أن قائله حكيم، وضع في الشيء القليل الفائدة الكثيرة، وهذا هو معنى {كتاب أنزلناه مبارك}؛ فكل كتاب له زمن محدود وعصر محدود وأمة محدودة، أما القرآن فهو يواجه من يوم أن أنزله الله إلى أن تقوم الساعة قضايا متجددة يضع لها حلولا. والمهم أن القرآن قد جاء على ميعاد مع طموح البشريات، وحضارتها وارتقاءاتها في العقول؛ لذلك كان لابد أن يواجه كل هذه المسائل مواجهة تجعل له السبق دائما ولا يكون ذلك إلا إذا كانت فيه البركة.
وكلنا يعلم أن القرآن قد نزل على رجل أمي، وفي أمة أمية، ولذلك حكمة بالغة لأن معنى أمي أي أنه لم يأخذ علما من البشر، بل هو كما والدته أمه، وجاءت ثقافته وعلمه من السماء.
إذن فالأمية فيه شرف وارتقاء بمصادر العلم له. ونزل القرآن في أمة أمية؛ لأن هذا الدين وتلك التشريعات، إنما نزلت في هذ الأمة المتبدية المتنقلة من مكان إلى آخر وليس لها قانون بل يتحكم فيها رب القبيلة فقط، وحين تنزل إليها هذه القيم الروحية والأحكام التشريعية ففي ذلك الدليل على أن الكتاب الذي يحمل هذه القيم والأحكام قادم من السماء. فلو نزل القرآن على أمة متحضرة لقيل نقلة حضارية، لكنه نزل على أمة لا تملك قوانين مثل التي كانت تحكم بها الفرس أو الروم.
ومادام الكتاب له هذه الأوصاف التي تريح الخلق من عناء التشريع لأنفسهم ويضم كل الخير، لذلك يأتي الأمر من الله: {فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} [الأنعام: 155]
وساعة تأتي ب لعل فاعلم أن فيها رجاء، وقد ترجو أنت من واحد وتقول: لعل فلانا يعطيك كذا، والرجاء هنا من واحد، ومن يفعل العمل المرجو إنسان آخر، وقد يفعل الآخر هذا العمل، وقد يغضب فلا يفعله؛ لأن الإنسان ابن أغيار، بل ومن يدري أنه ساعة يريد أن يفعل فلا يقدر. وإذا قلت: لعلي أفعل لك كذا، وهنا تكون أنت الراجي والمرجو في آن واحد، ولكنك أيضا ابن للأغيار، فأنت تتوقع قدرتك على الفعل وعند إرادتك الفعل قد لا تتيسر لك مثل هذه القدرة.
ولماذا أنزل الحق هذا الكتاب؟. يأتي الحق هنا بالتمييز للأمة التي أراد لها أن ينزل فيها القرآن فيقول: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين...}. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)}
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله: {وهذا كتاب أنزلناه مبارك} قال: هو القرآن الذي أنزله الله على محمد {فاتبعوه واتقوا} يقول: فاتبعوا ما أحل فيه واتقوا ما حرم.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن الضريس ومحمد بن نصر والطبراني عن ابن مسعود قال: إن هذا القرآن شافع مشفع وما حل مصدق من جعله أمامًا قاده إلى الجنة، ومن جعل خلفه ساقه إلى النار.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن أبيه عن جده: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يمثل القرآن يوم القيامة رجلًا فيؤتى الرجل قد حمله فخالف أمره، فيقف له خصمًا فيقول: يا رب حملته إياي فبئس حاملي تعدى حدودي، وضيع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: فشأنك، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار، ويؤتى بالرجل الصالح قد كان حمله وحفظ أمره، فيتمثل له خصمًا دونه فيقول: يا رب حملته إياي فحفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال له: شأنك به، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يلبسه حلة الاستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر».
وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن أبي موسى الأشعري قال: إن هذا القرآن كائن لكم ذكرًا وكائن عليكم وزرًا فتعلموه واتبعوه، فإنكم أن تتعبوا القرآن يورد بكم رياض الجنة، وان يتبعكم القرآن يزج في أقفائكم حتى يوردكم إلى النار. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله تعالى: {وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ} الآية.
يجُوز أن يكون {كِتَابٌ} و{أنزلْنَاه} و{مُبَاركٌ} إخْبَارًا عن اسم الإشارة، عند مَنْ يُجِيزَ تعدُّدَ الخبَرَ مُطْلَقًا، أو بالتَّأويل عند مَنْ لَمْ يجوِّزْ ذلك، ويجُوز أن يكُوزن {أنزلْنَاهُ}، و{مُبَاركٌ}: وصْفَيْن لـ {كِتَابٌ} عند من يُجِيزَ تَقْدِيم الوَصْفِ غير الصِّريح على الوَصْفِ الصَّريح، وقد تقدم تَحْقِيقُ ذلك في السُّورة قَبْلَها، في قوله سبحانه: {بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54].
قال أبو البقاء: ولو كان قُرِئ: مُبَاركًا بالنَّصْب على الحالِ، لجَاز ولا حَاجَة إلى مِثْلِ هذا، وقُدِّم الوَصْفُ بالإنْزَال؛ لأن الكلام مع مُنْكِري أنَّ اللَّهِ يُنَزِّل على البَشَر كِتَابًا، ويُرْسِلَ رَسُولًا، وأما وَصْف البَرَكَة؛ فهو أمْرٌ مُتَرَاخ عَنْهم، وجيء بصِفَة الإنْزَال بِجُمْلَة فِعْليَّة أسند الفعل فيها إلى ضَمير المُعَظِّم نفسه مُبَالغة في ذلك، بخلافِ ما لو جيءَ بها اسْمًا مُفْردًا. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)}
إنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب، وإذا بَقِيَ العبدُ عن سماع الخطاب تسلى بقراءة الكتاب، ومن لم يجدْ في قراءة القرآن كمالَ العيشِ والإِنس فَلأنَّه يقرأ ترسمًا لا تحققًا. اهـ.

.تفسير الآية رقم (156):

قوله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156)}

.من أقوال المفسرين:

.قال البقاعي:

ثم بين المراد من إنزاله وهو إقامة الحجة البالغة فقال: {أن} أي لأن لا {تقولوا} أو كراهة أن تقولوا أيتها الأمة الأمية {إنما أنزل الكتاب} أي الرباني المشهور {على طائفتين} وقرب الزمن وبعّضه بإدخال الجار فقال: {من قبلنا} أي اليهود والنصارى {وإن} أي وأنا- أو وأن الشأن- {كنا عن دراستهم} أي قراءتهم لكتابهم قراءة مرددة.
ولما كانت هي المخففة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال: {لغافلين} أي لا نعرف حقيقتها ولا ثبتت عندنا حقيتها ولا هي بلساننا. اهـ.

.قال الفخر:

قوله تعالى: {أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} فيه وجوه:
الوجه الأول: قال الكسائي والفراء، والتقدير: أنزلناه لئلا تقولوا، ثم حذف الجار وحرف النفي، كقوله: {يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} [النساء: 176] وقوله: {رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} [النحل: 15] أي لئلا.
والوجه الثاني: وهو قول البصريين معناه: أنزلناه كراهة أن تقولوا ولا يجيزون إضمار لا فإنه لا يجوز أن يقال: جئت أن أكرمك بمعنى: أن لا أكرمك، وقد ذكرنا تحقيق هذه المسألة في آخر سورة النساء.
والوجه الثالث: قال الفراء: يجوز أن يكون أن متعلقة باتقوا، والتأويل: واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب.
البحث الثاني: قوله: {أَن تَقُولُواْ} خطاب لأهل مكة، والمعنى: كراهة أن يقول أهل مكة أنزل الكتاب، وهو التوراة والإنجيل على طائفتين من قبلنا، وهم اليهود والنصارى، وإن كنا إن هي المحففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والأصل وأنه كنا عن دراستهم لغافلين، والمراد بهذه الآيات إثبات الحجة عليهم بإنزال القرآن على محمد كي لا يقولوا يوم القيامة إن التوراة والإنجيل أنزلا على طائفتين من قبلنا وكنا غافلين عما فيهما، فقطع الله عذرهم بإنزال القرآن عليهم وقوله: {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لغافلين} أي لا نعلم ما هي، لأن كتابهم ما كان بلغتنا. اهـ.